حين تتكرر الانتقادات، وتتجدد الشكوك حول نتائج طلبات العروض، ويتنامى استياء المهنيين، لا يعود السؤال مقتصراً على سلامة اختيار مشروع دون آخر، بل يصبح موجهاً إلى رئيسة اللجنة نفسها، ماذا فعلت طوال اثني عشر عاماً لتبديد الشكوك؟ ولماذا يستمر الوضع كما هو، وكأن كل هذا الجدل لا يستدعي مراجعة ولا تقييماً ولا حتى مساءلة مؤسساتية؟
ليس من المعقول أن تتحول لجنة انتقاء البرامج في الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة إلى موضوع متكرر للجدل، وأن تتجدد التساؤلات بشأن نتائج طلبات العروض ومعايير الاختيار وتكافؤ الفرص، ثم يُطلب من المهنيين في كل مرة أن يكتفوا بانتظار النتائج، وأن يتعاملوا مع القرارات، وكأنها نهاية النقاش.
فحين تتكرر الاعتراضات، ويعبّر عدد من المهنيين عن فقدان الثقة في المسطرة، وتُثار أسئلة بشأن تركيبة اللجنة وشفافية تقييمها، يصبح من الواجب الانتقال من الدفاع الآلي عن النتائج إلى مساءلة المنظومة التي أنتجتها.
والأكثر إثارة للاستغراب أن هذه الأسئلة لا تتعلق بمرحلة عابرة أو بطلب عروض واحد، بل بمسار طويل ظل، في محطات متعددة، محاطاً بالانتقادات والاعتراضات والتشكيك في النتائج، بما في ذلك اعتراضات شركات إنتاج على ما اعتبرته تفضيلاً متكرراً لشركات بعينها؛ وهو ما يؤكد أن الجدل حول آليات الانتقاء ليس وليد اللحظة، وإن كان لا يثبت بمفرده صحة كل اعتراض أو بطلان كل نتيجة،.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا يظل مؤجلاً: إذا كانت هذه الانتقادات تتكرر منذ سنوات، فلماذا لم تعمد الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة إلى تقييم رئاسة اللجنة نفسها؟ هل يتعلق الأمر باقتناع المؤسسة بأن كل شيء ‘يسير’ على ما يرام، أم عدم الاكتراث بما يثيره المهنيون، أم بنوع من العجز عن مراجعة وضع أصبح مألوفاً بفعل طول استمراره؟ أم أن هناك من يرى أن بقاء الرئيسة في موقعها أهم من استعادة الثقة في اللجنة وبعث الأطمئنان للمهنيين ؟!
إن أول ما ينبغي التذكير به هو أن لجنة انتقاء مشاريع البرامج ليست هيئة خاصة تعمل خارج قواعد الحكامة، ولا تجمعاً مهنياً مغلقاً يملك قراره من دون رقابة، إنها لجنة محددة التشكيلة والاختصاصات بمقتضى دفتر التحملات المنظم لشروط وكيفيات إبرام عقود الإنتاج الخارجي والمشاركة في الإنتاج السمعي البصري بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة،
فالمادة الأولى من هذا الدفتر لا تترك مجالاً للالتباس بشأن المبادئ التي يفترض أن تحكم المسطرة؛ إذ تنص على حرية الولوج إلى طلبات الشركة، وضمان حقوق المتنافسين، وشفافية الاختيارات، والمنافسة الحرة، والمساواة في المعاملة، إلى جانب أدوات تتبع العقود وتقييمها وحسن استعمال المال العام، وهذه المبادئ ليست زينة لغوية تُدرج في مقدمة وثيقة ثم تُنسى عند التطبيق، إنها المرجعية التي ينبغي أن يُقاس بها أداء اللجنة، وأن تُراجع على أساسها نتائجها، وأن تُساءل في ضوئها رئاستها، فإذا كانت الشفافية مبدأ ملزماً،
فمن حقنا أن نسأل عن الأدوات التي ضمنت تطبيقها، وإذا كانت المساواة بين المتنافسين قاعدة، فمن حقنا أن نسأل كيف تم التحقق من احترامها، وإذا كان تقييم العقود والنتائج جزءاً من فلسفة المنظومة، فمن حقنا أن نسأل كيف انعكس ذلك على طريقة اشتغال اللجنة وعلى قراراتها.
لنبدأ من النص، لأن النص هو الفيصل، حتى لا نترك مجالا للانطباعات و النوايا المفترضة، فالمادة 20 من دفتر التحملات المؤرخ في 18 يناير 2013 تحدد تركيبة لجنة انتقاء مشاريع البرامج في ثمانية أعضاء، أربعة يمثلون الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وثلاثة من المهنيين في مجال الإنتاج السمعي البصري، وعضو واحد من المجال الأكاديمي المتخصص، كما تحيل كيفية اشتغال اللجنة على نظام داخلي مصادق عليه من مجلس إدارة الشركة.
وهنا يفرض نفسه سؤال أول: لماذا ظلت اللجنة، بحسب المعطيات المتداولة، تشتغل في معظم فتراتها بسبعة أعضاء بدل ثمانية لحد الساعة ، ولماذا لم يُستكمل العدد المنصوص عليه إلا في حالات نادرة جدا؟ هل يتعلق الأمر بغياب عارض لأحد الأعضاء، أم بوجود مقاعد ظلت شاغرة، أم بقرارات لم تُتخذ لاستكمال التشكيلة؟ وأين هي الوثائق التي تفسر هذه الوضعية وتحدد أثرها على سير أعمال اللجنة؟ وهل منحت فعلا صلاحية اقتراح الأعضاء الجدد .!! وأين بلاغ المجلس الإداري الذي تم العمل به في 2013،وحدد أسماء لجنة الانتقاء بشكل شفاف وعمومي!!!!
قد يبدو العدد تفصيلاً إدارياً لمن لا يدرك طبيعة الانتقاء، لكنه ليس كذلك، فعندما تتوزع التشكيلة بالتساوي بين أربعة ممثلين عن المؤسسة وأربعة أعضاء من خارجها، فإن لكل مقعد دلالة في التوازن الداخلي، وفي تمثيل الخبرة المهنية والأكاديمية، أما إذا اشتغلت اللجنة بسبعة أعضاء، فإن غياب عضو واحد قد يغير موازين التصويت تبعاً لهويته وصفته وموقفه، ويجعل نتيجة التداول أكثر حساسية لتركيبة الحاضرين.
صحيح أن المادة 22 من دفتر التحملات تشترط حضور ستة أعضاء على الأقل لصحة الجلسة، لكن احترام النصاب لا يعفي من سؤال آخر: هل يكفي أن تكون الجلسة صحيحة من الناحية الشكلية حتى نطمئن إلى سلامة التوازن الذي أراده النص في التشكيلة الأصلية؟ وهل يمكن أن يصبح الحد الأدنى للنصاب قاعدة عمل شبه دائمة، بينما يظل استكمال التشكيلة استثناء؟
إن احترام النصاب شيء، وضمان التوازن المؤسساتي الذي أُنشئت اللجنة على أساسه شيء آخر، ولذلك فإن المطلوب ليس إطلاق حكم مسبق ببطلان كل اجتماع انعقد بسبعة أعضاء، بل الكشف عن عدد الاجتماعات التي انعقدت بهذه الصيغة، وأسباب عدم استكمال العدد، والصفات التي كان يمثلها الأعضاء الغائبون أو المقاعد الشاغرة، ومدى انعكاس ذلك على نتائج الانتقاء،.
فهذه أسئلة إدارية قابلة للإجابة بالوثائق، ولا ينبغي أن تظل رهينة التأويلات، وسؤال العدد يقودنا إلى السؤال الأكثر حساسية، لماذا ظلت السيدة إلهام الهواري، وفق المعطيات المتداولة، رئيسة للجنة الانتقاء طوال اثني عشر عاماً؟ هل يتعلق الأمر بتعيين متجدد بقرارات رسمية، أم بتكليف مستمر، أم بأن النظام الداخلي يتيح استمرارها دون تحديد مدة للرئاسة؟ وهل توجد أصلاً مدة محددة لولاية الرئيس، أم أن هذه المدة تُركت مفتوحة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن اختار هذا التنظيم، وبأي مبررات، وأين تنتهي استمرارية الخبرة وتبدأ الحاجة إلى التداول وتجديد المسؤولية بناء على المردودية والتخصص وحصص المشاهدة ؟
لسنا هنا أمام مطالبة بإدانة شخص بسبب طول مدة تحمله المسؤولية، ولا أمام افتراض أن الاستمرار في الرئاسة يشكل مخالفة قانونية في حد ذاته، فذلك لا يمكن الجزم به من دون الاطلاع على النظام الداخلي وقرارات التعيين وفرضية التصويت المستبعد للرئاسة، لكن اثني عشرة سنة مدة طويلة جدا وكافية لتجعل السؤال مشروعاً وملحاً، هل راجعت المؤسسة خلال هذه الفترة فعالية آليات الانتقاء واستقلاليتها؟ وهل خضعت رئاسة اللجنة لتقييم دوري؟ وهل طُرحت بدائل تتيح تداول المسؤولية وتجديد الرؤية؟ أم أن الاستمرارية تحولت، بحكم الأمر الواقع، إلى وضع لا يُسأل عن مبرراته؟ باعتبار ان المؤسسات التي تحترم نفسها لا تخشى التداول، ولا تعتبر تجديد المسؤوليات انتقاصاً من خبرة من تحملوها وتقليل ضمني للكفاءات الأخرى داخل الشركة ،
فالخبرة يمكن أن تستمر ونتمناها أن تظهر في مجال عملها الأصلي ، أما الرئاسة فلا ينبغي أن تتحول إلى امتياز شخصي غير قابل للمراجعة، وإذا كانت بعض اللجان العمومية، في مجالات الثقافة والفنون والسينما والمسرح ، تعتمد آليات مختلفة لتعيين الرؤساء أو تحديد مدد العضوية، فإن المطلوب من SNRT ليس استنساخ نموذج بعينه، بل توضيح القاعدة التي تعتمدها، وإثبات أنها تحقق الحياد وتمنع احتكار القرار وتضمن تجدد الخبرات.
فهل رئاسة لجنة انتقاء البرامج في الشركة الوطنية وظيفة تنظيمية تخضع للمراجعة والتقييم، أم أنها أصبحت، بفعل الاستمرار، أشبه بموقع دائم لا يعرف التداول؟…ثم لماذا لا يطرح، في إطار مراجعة النظام الداخلي، خيار إسناد الرئاسة إلى عضو مستقل عن الإدارة المؤسسة ، متى كان ذلك متوافقاً مع النصوص المنظمة، أو اعتماد آلية واضحة للتداول على الرئاسة؟
إن استقلال رئيس أي لجنة عن المصالح المباشرة المرتبطة بطلبات العروض قد يعزز الثقة في المسطرة، ويحد من تضارب الأدوار بين من يحدد حاجيات القنوات ومن يشارك في تقييم العروض ومن يتحمل مسؤولية النتائج، وليس المقصود التشكيك في نزاهة أي شخص، وإنما بناء نظام لا يكتفي بافتراض النزاهة، بل يوفر الضمانات التي تجعلها قابلة للتحقق.…
وإذا كان السؤال مطروحاً بشأن الرئيسة، فإنه لا يقل أهمية بالنسبة إلى الأعضاء الذين يمثلون الشركة الوطنية نفسها، لماذا لا يعاد النظر دورياً في تركيبتهم؟ وهل ينبغي أن يظل التمثيل الداخلي محصوراً في الأسماء نفسها وأحيانا في نفس المديرية ، رغم تغير تطور الصناعة السمعية البصرية؟ ولماذا لا تتم الاستعانة، بحسب طبيعة المشاريع المعروضة، بخبرات من مديرية البرمجة، والتحرير، والإنتاج، وما بعد الإنتاج، والهندسة التقنية، والتوضيب والصوت والصورة، إلى جانب الخبرات المالية والقانونية عند الحاجة؟
فمشاريع البرامج التلفزية والدراما من مسلسلات وافلام، ليست مجرد ملفات ورقية أو تصورات نظرية، بل منتوج متكامل تتداخل فيه الرؤية التحريرية والكتابة والإخراج والتصوير والمونتاج والصوت والميزانية وشروط البث.
إن لجنة تنتقي مشاريع القنوات العمومية لا ينبغي أن تكتفي بخبرة إدارية عامة أو بمعرفة شكلية بمساطر الإنتاج، عليها أن تمتلك من التخصص ما يؤهلها لتمييز المشروع القابل للإنجاز من المشروع المتعثر، والابتكار الحقيقي من إعادة تدوير الصيغ المستهلكة، والجودة الفنية من العرض الذي يحسن تقديم نفسه على الورق فقط، فكيف يمكن تقييم مشروع وثائقي أو مسلسل درامي أو برنامج ترفيهي دون حضور الخبرة المناسبة لطبيعته؟ وكيف يمكن الحديث عن انتقاء مهني متكامل إذا لم تكن المعايير واضحة، ولم تكن الكفاءات التي تطبقها محددة، ولم يكن اختيار الأعضاء الخارجيين نفسه خاضعاً لمعايير معلنة يمكن التحقق منها؟ وهنا يبرز سؤال آخر، ما المعايير التي تُعتمد لاختيار ممثلي المهنيين والخبراء الأكاديميين داخل اللجنة؟ هل يتم الاختيار وفق تخصص دقيق وخبرة موثقة في الإنتاج السمعي البصري، أم وفق اعتبارات لا يُكشف عنها للمتنافسين؟
إن المادة 20 تحدد فئات العضوية، وتربط إحدى هذه الفئات بالمجال الأكاديمي المتخصص في السمعي البصري، لكن معرفة مدى احترام هذا الشرط تقتضي الاطلاع على قرارات التعيين والسير المهنية للأعضاء وصفاتهم عند التعيين، أما الاكتفاء بوجود أسماء خارج المؤسسة، فلا يكفي وحده لإثبات الاستقلالية أو التخصص، فالعضو الخارجي ليس مستقلاً لمجرد أنه لا يتقاضى راتبه من SNRT، كما أن الصفة المهنية وحدها لا تضمن الخبرة اللازمة لتقييم كل صنوف البرامج.
وإذا كان دفتر التحملات قد وضع معايير فنية وتقنية ومالية لتقييم المشاريع، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو، أين يظهر أثر هذه المعايير في النتائج؟
المادة 9 تربط الانتقاء بمعايير محددة، من بينها أصالة المشروع، وجودته الفنية والتقنية والجمالية، وكفاءة المنتج والمخرج، والقدرات التنظيمية والمالية، كما تتيح تحديد معاملات الترجيح أو التنقيط في نظام الاستشارة، أما المادة 22 فتحدد مراحل فحص العروض وترتيبها، بينما تنظم المادة 24 توثيق أعمال اللجان وأسباب الإقصاء والعناصر الدقيقة التي تستند إليها التوصيات، فأين هي استمارة التقييم التي تسمح بمعرفة كيف نُقّط المشروع؟ وما الوزن الذي منح للأصالة، ولجودة الكتابة، وللإخراج، وللقدرات التقنية، وللكلفة المالية؟ وهل خضع جميع المتنافسين للمعايير نفسها؟ وهل يمكن، عند طلب التوضيح، بيان الأسباب المهنية التي جعلت مشروعاً يتقدم على آخر، دون المساس بسرية مداولات اللجنة؟ أم أن الشركة المنتجة لا تعرف في نهاية المطاف سوى أنها لم تفز، من دون أن تعرف ما الذي كان ينقص مشروعها، أو أين اختل عرضه، أو ما الذي رجح كفة منافسه؟ إذا كانت المادة 24 تنص على عدم نشر محاضر اللجنة أو تسليمها للمتنافسين، فإن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإغلاق كل باب أمام التوضيح المهني.
فثمة فرق بين تسليم محضر سري كامل، وبين تمكين المتنافس من معرفة أسباب إقصائه أو عدم اختيار مشروعه بالقدر الذي تسمح به النصوص المعمول بها، وبين حماية سرية المداولات وحجب كل معلومة عن المتنافس مسافة لا يجوز إلغاؤها، ويزداد السؤال حدة حين تتعلق المسألة بما يتداوله بعض المهنيين بشأن عدم فتح بعض الملفات أو عدم فحصها على النحو المفترض، أو الاكتفاء في سنوات مضت برسائل عامة متشابهة تُبلغ الشركات بعدم قبول مشاريعها.
إن صحت هذه المعطيات، فهي تستوجب توضيحاً رسمياً، لا سيما أن التقييم الفني لا يمكن أن يكون موضوعياً إذا لم يكن المشروع قد خضع فعلاً للفحص وفق المعايير المحددة، فهل توجد آثار مكتوبة تثبت فحص كل عرض؟ وهل يتم تسجيل ملاحظات المقيمين ونتائج التنقيط؟ وهل تُحفظ الوثائق التي تسمح بإثبات أن القرار اتُخذ بناءً على قراءة فعلية للمشروع، لا بناءً على انطباع عام أو قرار غير معلل؟
ان عبارة «لم يتم الاحتفاظ بمشروعكم» لا يمكن أن تكون وحدها بديلاً دائماً عن تفسير مهني يوضح مكامن القوة والضعف، متى كان تقديم هذا التفسير ممكناً قانوناً، فشركة الإنتاج لا تطلب امتيازاً ولا ضماناً بالفوز، وإنما تطلب أن تعرف إن كانت قد خسرت المنافسة، لأن مشروعها أقل جودة، أو لأن معالجته الفنية لم تستجب لاحتياجات القناة، أو لأن منافساً قدم عرضاً أفضل، ذلك هو معنى المنافسة الحقيقية،ويعرف المتنافس أنه خسر أمام معايير معلومة، لا أمام قرار يظل محاطاً بالغموض، لكن الشفافية لا تتوقف عند لحظة الانتقاء، إنها تمتد إلى تتبع تنفيذ المشروع وتقييم المنتوج النهائي بعد بثه.
وهنا نصل إلى مفارقة يصعب تجاهلها، كيف يمكن أن تتحول لجنة الانتقاء إلى بوابة صارمة أمام شركات تنتظر فرصة لإثبات قدراتها، بينما لا يبدو، وفق ما يثيره عدد من المهنيين، أن هناك دائماً آلية بالوضوح نفسه لتقييم ما أنجزته الشركات التي سبق أن فازت بالصفقات؟ أين هو التقييم اللاحق للمسلسلات والبرامج والوثائقيات التي بُثت؟ ومن يقيس مدى احترامها لدفتر التحملات والمواصفات التقنية والفنية المتفق عليها بعد بثها؟ ومن يسجل الأخطاء في الصورة والصوت والمونتاج والاستمرارية، أو ضعف الكتابة والبناء الدرامي والمعالجة الوثائقية؟ ومن يقارن بين ما وعد به المشروع في ملف الترشيح وما تحقق فعلياً على الشاشة؟ وهل تؤخذ هذه الحصيلة في الاعتبار عند تقييم أهلية الشركة لمشاريع لاحقة، في الحدود التي تسمح بها القواعد المعلنة، أم أن الفوز بصفقة سابقة لا يترك وراءه سوى ملف مالي مغلق، دون تقييم مهني قابل للاستثمار؟
لا يتعلق الأمر هنا بإصدار أحكام عامة على الإنتاج الوطني، ولا بإنكار وجود أعمال ناجحة ومجهودات مهنية تستحق التقدير، بل يتعلق بضرورة الاعتراف بأن البث وحده هو الذي يثبت الجودة، وأن تنفيذ العقد لا يعني بالضرورة نجاح المنتوج فنياً ، فإذا كانت لجنة الانتقاء تختار المشاريع على أساس الجودة والكفاءة، فمن المنطقي أن تستفيد المؤسسة من نتائج تقييم ما سبق بثه، حتى لا تنفصل معايير الاختيار المعلنة عن الأداء الفعلي للشركات والمنتجات، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تُقيَّم الشركات على أساس ما تقترحه فقط، أم على أساس ما تنجزه أيضاً؟ وهل يُنظر إلى حصيلة أعمالها السابقة باعتبارها مصدراً موضوعياً للتقييم والحكم، أم أن بعض الشركات على علاتها تظل حاضرة في المنافسة نفسها، بينما لا تجد شركات أخرى سبيلاً واضحاً لفهم أسباب تكرار عدم اختيارها؟ إن تكرار فوز شركات بعينها وتكرار النتائج ذاتها ، إذا لم يكن مصحوباً بمعايير واضحة وتقييمات قابلة للتفسير، يصبح سبباً كافياً لطلب مراجعة المسطرة وتعزيز ضمانات الثقة فيها، وتزداد الحاجة إلى هذا التوضيح عندما تُثار تساؤلات حول مدى استقلالية المتدخلين وعلاقاتهم المحتملة ببعض المتنافسين،.
فقد أوردت المادة 31 من دفتر التحملات مقتضيات تتعلق بالاستقلالية وتضارب المصالح، وتفرض قيوداً على تدخل من تكون له مصلحة لدى أحد المتنافسين،.
ومن ثم، فإن أي حديث عن علاقة مهنية أو شخصية قد تؤثر في الحياد يجب ألا يتحول إلى اتهام جاهز، لكنه يستوجب التحقق متى تعلق بمعطيات محددة، والتحلي بأقصى درجات الهدوء والمسؤولية وتقديم الإجابات بدل التهور أو الترهيب أو التشهير بالمنتقدين وتمويه هذا النقاش الحيوي.
فالسؤال الواجب طرحه ليس إصدار حكم مسبق بشأن الشركة أو المسؤول، بل، هل كُشف عن العلاقة وفق القواعد المعمول بها؟ وهل فُحص احتمال تضارب المصالح؟ وهل اتُّخذت التدابير اللازمة لضمان عدم مشاركة أي شخص في تقييم عرض تكون له بشأنه مصلحة مباشرة أو غير مباشرة؟ وهل توجد وثائق تسمح بتأكيد سلامة المسطرة أو نفي وجود أي تأثير غير مشروع؟
إن القضية، في جوهرها، ليست قضية رئيسة لجنة وحدها رغم الأسئلة المشروعة حول علاقتها الأصلية بالإبداع والكتابة وتعدد مهامها ومردوديتها، ولا قضية عضو أو شركة أو صفقة بعينها، إنها قضية نظام انتقاء يجب أن يكون أقوى من الأشخاص الذين يديرونه، وأكثر استقراراً من التوازنات الظرفية، وأوضح من أن يترك الشركات تتخبط في التأويلات،.
فالمؤسسة العمومية لا تقاس فقط بعدد المشاريع التي تنتجها أو بساعات البث التي تملؤها، بل أيضاً بقدرتها على إقناع المهنيين بأن الفرصة متاحة للجميع، وأن جودة المشروع هي التي ترجح كفته، وأن القرار قابل للتفسير والمراجعة وفق القانون.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع اليوم على الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة تزامنا مع حالة الغضب العارم داخل القطاع السمعي البصري، لفتح ورش مؤسساتي واضح يعيد النظر في تركيبة لجنة الانتقاء وآليات عملها مستندا على القوانين ومباديء الشفافية والحكامة وتكافؤ الفرص بين المهنيين داخل وخارج الشركة..
ورش يبدأ بنشر أو إتاحة النظام الداخلي للجهات المخولة قانوناً، وتوضيح طريقة تعيين الرئيس ومدة الرئاسة وشروط تجديد العضوية، ثم تقييم مدى ملاءمة التشكيلة الحالية مع حاجيات القنوات والتخصصات الفنية والتقنية المطلوبة، كما ينبغي التفكير في آلية دورية لتجديد الخبرات، وإشراك تخصصات متعددة وفق طبيعة المشاريع، وتحديد معايير معلنة لاختيار الأعضاء الخارجيين، وتعزيز قواعد تضارب المصالح، وتوثيق مراحل التقييم، ووضع صيغة للتواصل مع الشركات غير المختارة تتيح لها، في الحدود القانونية، فهم أسباب عدم قبول مشاريعها، وينبغي كذلك اعتماد تقييم لاحق للبرامج التي بُثت، لا بهدف معاقبة الشركات على اختلاف الأذواق، بل لقياس الجودة واحترام الالتزامات واستخلاص الدروس من التجربة.
إن ما يطالب به المهنيون وحماة المال العام ، هو الانتقال من منطق الثقة في الأشخاص إلى منطق الثقة في القواعد، فحين تكون القاعدة واضحة، لا يحتاج أحد إلى الدفاع عن نزاهته ، وحين يكون التقييم موثقاً، لا تضطر الشركات إلى استنتاج أسباب خسارتها من النتائج وحده.
