تنفيذ الإنتاج بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.. أسابيع تُحذف من التصوير وتبقى في الميزانية، فمن يتواطأ بالصمت ومن يحاسب؟

Date:

Share post:

سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن أثار ملاحظات تتصل بتدبير الإنتاجات وآليات تتبعها، وهو ما يفرض اليوم سؤالاً يتجاوز مجرد تسجيل تلك الملاحظات إلى التحقق مما إذا كانت قد تحولت إلى إجراءات فعلية، وما إذا كانت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة قد أحكمت رقابتها على تنفيذ الإنتاجات وصرف الاعتمادات المرصودة لها.

فالتوصيات الرقابية لا تُقاس بما يُكتب في التقارير، بل بما يتغير بعدها في الميدان، ولا تكفي الإحالة على وجود مساطر ومراقبين ما لم تكن هناك نتائج ملموسة تثبت أن المال العام أصبح محمياً من الاختلالات نفسها.

ومن هنا يبدأ السؤال الذي سنحاول تفكيك خيوطه في هذه الحلقة: هل تراقب الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة ما تصادق عليه من ميزانيات، أم تكتفي بمراقبة ما يصل إلى الشاشة؟ وهل تقارن بين مدة التصوير المبرمجة والمدة المنجزة فعلياً، وبين الموارد التي احتُسبت في الميزانية وتلك التي استُعملت في الميدان؟ أم أن بعض شركات التنفيذ تستطيع اختصار أسابيع من التصوير، والإبقاء في الوقت نفسه على الميزانية كما صودق عليها، من دون أن تجد نفسها مطالبة بتفسير الفارق أو تبرير مصير الاعتمادات المرتبطة به؟

هنا تحديداً لا يتعلق الأمر بخلاف تقني حول عدد أيام التصوير، بل بمسألة تمس جوهر تدبير المال العام، وتضع منظومة المراقبة برمتها أمام امتحان حقيقي.

المسافة بين ما صودق عليه وما نُفذ فعلياً

لا تنحصر اختلالات الإنتاج الدرامي بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في طريقة انتقاء المشاريع أو في جودة الأعمال التي تصل إلى الشاشة، بل قد تكمن إحدى أخطر حلقاتها في المسافة الفاصلة بين ما صودق عليه مالياً وما نُفذ فعلياً. ففي هذه المسافة تختبر جدية الرقابة، ويظهر الفرق بين إدارة تحمي المال العام وإدارة تكتفي بمشاهدة النتائج بعد فوات الأوان.

«الدوفي» وأسابيع التصوير

بعد انتقاء المشاريع، تنتقل العروض إلى لجنة دراسة العروض المالية المعروفة بـCTF، حيث يُدرس العرض المالي، أو ما يُعرف بـ«الدوفي»، باعتباره المرجع الذي تُحدد على أساسه الميزانية وتوزع الاعتمادات على بنود الإنتاج، من الموارد البشرية والتقنية إلى أيام التصوير والديكورات ومواقع العمل وسائر مستلزمات الإنجاز.

وبذلك، فإن الأسابيع المدرجة في خطة التصوير ليست أرقاماً اعتباطية، بل تدخل ضمن التقديرات التي تُبنى عليها كلفة العمل، لكن ماذا يحدث حين تصادق المؤسسة على ميزانية بُنيت على اثني عشر أسبوعاً من التصوير مثلا، ثم تختصر شركة التنفيذ المدة إلى سبعة أو ثمانية أسابيع دون تتبع أو رقابة فجائية مطلوبة، فيما تظل الميزانية المصادق عليها على حالها؟ أين يظهر هذا التغيير في الحسابات؟ وأين ينعكس في مراجعة النفقات؟ ومن يفسر الفارق بين ما خُطط له وما تحقق فعلياً؟

المشكلة ليست فقط أن أسابيع التصوير حُذفت، بل أن كلفتها، بحسب الفرضية المطروحة، لم تُحذف معها من الميزانية المصادق عليها. وهنا يتحول السؤال من مجرد استفسار عن نجاعة الإنتاج إلى مساءلة مالية وإدارية، بل هل تقليص في التنفيذ قابله تصحيح واضح في الاعتمادات أو مراجعة موثقة للنفقات؟ باعتبار أن المصادقة على «الدوفي» لا تعني منح شركة التنفيذ شيكاً على بياض، ولا تجعل الميزانية رقماً مقدساً لا يتأثر بما يحدث في الميدان، فإذا تغيرت شروط التنفيذ بصورة جوهرية، وجب تفسير التغيير وتوثيقه وتحديد أثره المالي والتعاقدي المستقبلي وفق العقد والمساطر المعمول بها، أما أن تتغير مدة التصوير فعلياً، بينما لا يظهر لهذا التغيير أثر واضح في الميزانية أو وثائق التتبع ولا يعاقب المنتج من استبعاده في مشاريع أخرى، فذلك اختلال يستوجب التدقيق، لا تفصيلاً يمكن تجاوزه بحجة أن الحلقات سُلّمت في النهاية.

أرقام قد تكشف حجم الفارق المحتمل

لنضع الأرقام أمام السؤال، لأن المال العام لا يُحمى بحسن النوايا، بل بالحساب والوثيقة والمساءلة، إذا اعتُمد، على سبيل اقل التقدير، مبلغ 250 ألف درهم ككلفة أسبوع تصوير، فإن حذف ثلاثة أسابيع من المدة المبرمجة يعادل فارقاً حسابياً محتملاً قدره 750 ألف درهم، فيما يصل الفارق إلى مليون درهم عند حذف أربعة أسابيع، وهذه تقديرات توضيحية تعني تلقائياً أن كامل المبلغ أصبح ربحاً صافياً للشركة المنفذة، لأن تحديد الكلفة التي جرى توفيرها فعلاً يقتضي فحص بنود الميزانية من طرف الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وتمييز النفقات الثابتة من المتغيرة، والتحقق من المصاريف التي صُرفت وتلك التي لم تعد ضرورية، فكيف عولجت في الحسابات؟ وإذا كانت قد صُرفت، فأين الفواتير والعقود والمستندات التي تثبت حقيقة الإنفاق وصلته بالإنتاج؟

لنفترض أن مسلسلاً من ثلاثين حلقة، مدة كل واحدة منها ثلاثون دقيقة، بُرمج تصويره على مدى اثني عشر أسبوعاً، ثم أُنجز التصوير فعلياً في سبعة أو ثمانية أسابيع، اليس هذا دليلاً تلقائياً على التلاعب، فقد يكون ثمرة تخطيط مسبق أو تواطؤ مع جهة ما، مادام النفقات لم تخفض وظلت كما هي، والأسابيع حدث في الميدان من دون أن يترك أثراً في الرقابة المالية؟

إن تسليم الحلقات لا يحسم هذه المسألة، فالحلقات تثبت أن منتوجاً قد أُنجز بعلاته، لكنها لا تثبت وحدها أن جميع النفقات المدرجة في الميزانية قد صُرفت بالفعل، أو أن شروط التنفيذ احترمت بالكامل. ومن يختزل الرقابة في عدد الحلقات المسلّمة، يتعامل مع النتيجة باعتبارها بديلاً عن فحص الطريق الذي أُنتجت به، مع أن حماية المال العام تفرض مراقبة الاثنين معاً.

«لا عين رأت ولا قلب وجع»

وهنا نصل إلى الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة، فشركة التنفيذ لا تعمل، من حيث المبدأ، في فراغ، ولا يفترض أن تكون وحدها من يحدد مدة التصوير الفعلية وحجم الموارد المستخدمة وكيفية تدبير الاعتمادات، هناك snrt صاحبة مشروع، ومديرية مركزية للإنتاج التي تعين مراقبين يُفترض أن يواكبوا التصوير ويرصدوا مدى احترام الالتزامات المصادق عليها، فإذا اختُصرت أسابيع من التصوير، وتم تغيير أماكن التصوير وتم التصرف في السيناريو ولم تُسجل الملاحظات اللازمة بشأن هذه الاختلالات، ولم تُطلب التوضيحات المتعلقة بالموارد والتكاليف، ولم يظهر أثر لذلك في تقارير التتبع، فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد مساءلة شركة إنتاج، كيف أمكن أن تمر تغييرات بهذا الحجم من دون أن تثير انتباه الأجهزة التي وُجدت أصلاً لمراقبة التنفيذ؟

هنا تفرض نفسها عبارة «لا عين رأت ولا قلب وجع». فإما أن المراقبة لم تكن بالمستوى الذي يفرضه حجم الأموال المرصودة، وإما أن الفوارق لم تُوثق كما ينبغي، وإما أن هناك أسباباً أخرى تستوجب التحقيق والتوضيح. وفي جميع الحالات، لا يجوز أن تتحول تقارير المراقبة إلى أوراق شكلية تُملأ، ثم تُطوى، من دون أن يكون لها أثر في حماية المال العام، ذلك يفتح الباب أمام سؤال أكثر خطورة، هل نحن أمام تقصير إداري جسيم، أم تساهل غير مبرر، أم تواطؤ محتمل سمح بمرور الفارق المالي من دون مساءلة؟

من يحاسب ومن يبقى في الظل؟

لا يمكن الجزم بوجود تواطيء متعمد من دون أدلة ووثائق تثبته، لكن لا يجوز أيضاً استخدام غياب الدليل على التواطؤ ذريعة لإغلاق ملف التقصير المحتمل، فالمسؤولية الإدارية يمكن أن تُطرح وتُفحص على أساس ما إذا كانت واجبات التتبع والمراقبة قد أُنجزت فعلاً، وما إذا كانت الملاحظات الضرورية قد سُجلت، وما الإجراءات التي اتُّخذت عند ظهور الفوارق، فإذا لم يكن أحد قد انتبه، فهذه مشكلة رقابة، وإذا انتبه أحد ولم يتحرك، فهذه مشكلة مساءلة، وإذا كانت الملاحظات قد سُجلت ثم لم يترتب عنها شيء، فالسؤال يصبح: من قرر أن تبقى حبيسة الملفات، ولماذا؟

هناك قاعدة أساسية ينبغي ألا تضيع وسط تفاصيل الإنتاج، الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة هي صاحبة المشروع والمنتجة، فيما تتولى شركة التنفيذ إنجاز العمل وفق الالتزامات المتفق عليها، وهذا التمييز يحدد المسؤوليات ولا يسمح بإلقاء العبء كله على الشركة المنفذة، فإذا كانت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة هي التي تصادق على الميزانية وتحدد المواصفات وتنتظر منتوجاً معيناً، فمن واجبها أن تتحقق من كيفية تنفيذ المشروع، وأن تراقب مدى تطابق النفقات الفعلية مع الاعتمادات التي صودق عليها، وأن تطالب بالوثائق التي تبرر الصرف وفق شروط العقد والمساطر المعمول بها.

ويشمل ذلك، بحسب طبيعة النفقات والالتزامات، الفواتير والعقود ومستندات الأداء والوثائق التي تثبت حقيقة الخدمات والموارد المستخدمة في الإنتاج، ولا يكفي أن يُقدم «الدوفي» قبل انطلاق التصوير، ثم يُترك ما يحدث في الميدان خارج دائرة التحقق. كما لا يكفي أن ينجز المراقب زيارة إلى موقع التصوير، أو أن يثبت سير العمل، إذا لم يكن تقريره قادراً على الإجابة عن السؤال المالي: هل استُعملت الموارد التي احتُسبت في الميزانية؟ وهل نُفذت المدة المبرمجة؟ وإذا لم تُنفذ، فما أثر ذلك على الكلفة، وكيف جرى توثيقها؟

فالتعاقد مع منفذ خاص لا يعني تفويضه سلطة التصرف في المال العام من دون رقابة، ولا يعفي صاحب المشروع من مسؤولية تتبع التنفيذ ومراجعة الفوارق، وأي إخلال بهذا المبدأ يستوجب المساءلة بحسب طبيعة الوقائع وما تثبته الوثائق. فإذا لم تطلب المؤسسة المستندات الضرورية، أو لم تقارن بين ما صودق عليه وما نُفذ، أو لم تعالج الفوارق التي كشفت عنها التقارير، فإن السؤال لا يعود محصوراً في سلوك شركة التنفيذ، بل يمتد إلى مدى احترام المؤسسة نفسها لواجباتها في التتبع والمراقبة.

ففي هذه التفاصيل الصغيرة قد يختبئ الجن، كما يقال، وليس من المقبول أن تتحول إلى منطقة رمادية لا يقترب منها أحد، بينما يتعلق الأمر بميزانيات عمومية وبالتزامات تعاقدية يفترض أن تكون قابلة للتحقق والمحاسبة.

المنتوج التلفزيوني وسلسلة القرارات

ما لا يستقيم منطقياً هو أن تُناقش جودة الدراما بمعزل عن شروط إنجازها، وأن يُسأل السيناريست عن جودة النص والمخرج عن النتيجة النهائية، بينما تظل الأسئلة المتعلقة بالميزانية والوقت والموارد وآليات المراقبة خارج دائرة النقاش. فالمنتوج التلفزيوني ليس وليد السيناريو والإخراج وحدهما، بل هو حصيلة سلسلة من القرارات الإدارية والمالية والفنية، وأي تقييم جدي ينبغي أن يشمل هذه السلسلة كاملة.

هيأة التحرير
هيأة التحريرhttps://zoom24.ma
هيأة تحرير جريدة زووم 24

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

Related articles

حين تصبح سلامة الاختيار على المحك .. هل يُلغي الرئيس المدير العام نتائج طلبات عروض تمازيغت؟

حين تصبح سلامة الاختيار على المحك .. هل يُلغي الرئيس المدير العام نتائج طلبات عروض تمازيغت؟ هل يتجه الرئيس...

الحكومة تستعد لإلغاء تسقيف سن مباريات التعليم ورفعه إلى 35 سنة ومراجعة شروط الدعم الاجتماعي

تتجه المشاورات الجارية لتشكيل الحكومة الجديدة إلى اعتماد حزمة من الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية، تتصدرها إعادة النظر في شرط...

ظاهرة «إل نينيو» تحطم أرقاما قياسية وتثير مخاوف عالمية

حطمت ظاهرة «إل نينيو» أرقاما قياسية، ما أثار مخاوف عالمية من تداعياتها المناخية.

الفقر العالمي يرتفع لأول مرة منذ 16 عاما

كشف تقرير أن الفقر العالمي ارتفع لأول مرة منذ 16 عاما، ليطال نحو 1.2 مليار شخص.