الرئيسية / أقلام وآراء / السينما التونسية قادمة بقوة

السينما التونسية قادمة بقوة

بقلم الناقد عمر بلخمار
بحفل اختتامي شيق و محكم بمسرح الأوبرا أسدل الستار مساء السبت الماضي 15 يونيو الجاري على فعاليات الدورة الثانية لمهرجان السينما التونسية التي انطلقت مساء اليوم العاشر من نفس الشهر و التي احتضنته مدينة الثقافة بالعاصمة التونسية، و قد قامت القناة الوطنية الأولى بنقل هذا الحفل مباشرة و حضرته مختلف المنابر الإعلامية التونسية و الدولية من بينها قناة فرانس 24 و القناة المصرية “نايل تي في”. نظم هذا المهرجان الخاص بالأفلام التونسية من طرف جمعية المخرجين التونسيين برئاسة المخرج مختار العجيمي مدير المهرجان ، و أشرفت عليه وزارة الشؤون الثقافية عبر المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية وإدارة الفنون الركحية والفنون السمعية البصرية، و قد حضر حفل الافتتاح وزير الثقافة التونسي الذي حضر أيضا في حفل الاختتام إلى جانب مستشار رئيس الحكومة و وزير الفلاحة و الفنان الكبير لطفي بوشناق الذي عبر لي عن حبه الكبير للمغرب و المغاربة ، كما حضر في الحفلين المنتج و الناقد الفني نجيب عياد مدير أيام قرطاج السينمائية إلى جانب العديد من الوجوه الفنية التونسية التي أضاءت المهرجان و زادته رونقا بأناقتها و رمزيتها. تم خلق هذا المهرجان لتثمين مجهودات العاملين في مختلف مهن السينما التونسية من خلال الاحتفاء بإنتاجاتهم الجديدة و منح المتوجين منهم “العصفور الذهبي” الذي يشكل الدرع الدائم لهذا المهرجان. شهدت هذه الدورة تكريم عدة وجوه سينمائية تونسية لامعة على الصعيد المحلي و العربي ، إذ تم في حفل الافتتاح تكريم المنتج حسن دلدول ، و مهندس الصوت فوزي ثابت ، و الموضبة كاهنة عطية ، و مصحح الألوان المنصف الصدوري ،و مدير التصوير أحمد بنيس ، و الممثلة منجية الطبوبي ، و المخرج أحمد الخشين، و تم في حفل الاختتام منح الجائزة الشرفية للممثلة عائشة بن أحمد لتميزها وطنيا وعربيا. موازاة مع عروض الأفلام تضمن البرنامج أيضا تنظيم يوم دراسي حول مصادر تمويل السينما التونسية بمشاركة مجموعة من الخبراء ذوي العلاقة بالموضوع. شملت المسابقات الثلاث للمهرجان 35 فيلما روائيا طويلا وقصيرا ووثائقيا تنافست على عشرين جائزة ، و تم في هذا الشأن تشكيل ثلاث لجن دولية إحداهن خاصة بالأفلام الروائية الطويلة ، و الثانية مكلفة بالأفلام الروائية القصيرة و أفلام التحريك ، و الثالثة حكمت على الأفلام الوثائقية، و قد تكونت لجنة الأفلام الروائية الطويلة من سينمائيين و نقاد من تونس و خارجها برئاسة أحد قيدومي السينمائيين التونسيين و مدير التصوير أحمد بنيس ، و ضمت في عضويتها المخرج و المنتج الفنزويلي آطاهوالبا ليتشي و المخرج و المنتج البلجيكي الهولندي جان جاك أدريان الذي سبق له أم أنتج فيلم “الراقد” لياسمين قصاري، و السينمائي الفرنسي آلان مالين الذي اشتغل كثيرا مع المخرج كلود لولوش، و المخرجة اللبنانية زينة سفير التي يعرفها جيدا كل من يشتغل في الإعلام و يتابع الشؤون السينمائية و المهرجانات ، و الناقد السينمائي التونسي المقتدر و المشهور الهادي خليل، و قام منظمو هذا المهرجان و بمبادرة منهم بتشريف كاتب هذه الأسطر عمر بلخمار و اختاروه هو أيضا ضمن هذه اللجنة. المنتج السينمائي الإيطالي “موريسو سانتيالي” تم اختياره كرئيس للجنة تحكيم الأفلام القصيرة وأفلام التحريك بينما ترأست الإعلامية السينمائية التونسية “شيراز بن مراد” لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية. أظهرت نتائج مسابقة الأفلام الروائية الطويلة تميز ثلاثة أفلام و فوزها بأربع جوائز لكل واحد منهم، و يتعلق الأمر بفيلم “في عينيا” للمخرج نجيب بلقاضي الذي فاز بالجائزة الكبرى و جائزة أفضل موسيقى لسليم بن صالح و جائزة أفضل مونتاج لغالية لاكروا ومالك شطا إضافة إلى جائزة أفضل دور أول رجالي للممثل نضال سعدي مناصفة مع الممثل أحمد الحفيان في فيلم “فتوى” ، و قد سبق للممثل نضال سعدي أن فاز بنفس الجائزة في الدورة السابعة عشر للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش. تناول هذا الفيلم برؤية فنية سينمائية متقنة مرض التوحد و كيفية التعامل معه من خلال معاناة البطل “لطفي” مع ابنه “يوسف” المصاب بهذا المرض، و من خلال مشاكله مع زوجتيه التونسية و الأجنبية. الفيلم “دشرة” الذي أخرجه عبد الحميد بوشناق، نجل الفنان الكبير لطفي بوشناق، فاز بالجائزة الخاصة بلجنة التحكيم و جوائز أفضل ممثلة لياسمين الديماسي، و أفضل صورة لحاتم ناشي و أفضل صوت لأيمن التومي، و هو بمثابة العمل الروائي الطويل الأول لهذا المخرج الشاب و كأول فيلم تونسي للرعب و البشاعة. يتم في هذا الفيلم المروع و المتقن ذبح الأطفال قربانا قصد فتح الكنوز المدفونة، كما تلتهم فيه اللحوم البشرية و يستعمل فيه السحر الأسود. الفيلم المأساوي “فتوى” هو سادس أفلام المخرج محمود بن محمود، و كان من نصيبه أربع جوائز هو أيضا، و يتعلق الأمر بجائزة أفضل سيناريو ، جائزة أفضل ديكور لرحمة البجاوي ، جائزة أفضل ممثل لأحمد الحفيان مناصفة مع الممثل نضال سعدي (كما سبقت الإشارة إلى ذلك من قبل ) ، و جائزة أفضل ثاني دور نسائي للممثلة سارة الحناشي مناصفة مع الممثلة منى الماجري عن فيلم “ولدي” لمحمد عطية. و قد فاز هذا الفيلم بالمغرب خلال الأسبوع ما قبل الماضي في المهرجان المغاربي للفيلم بوجدة بالجائزة الكبرى، و تدور أحداثه حول رحلة بحث يقوم بها السيد إبراهيم و زوجته عن الأسباب الخفيّة لموت ابنه بعدما حاولوا إقناعه بأنه توفي إشر حادثة ناتجة عن انزلاق دراجته النارية ، و سيتوصلان إلى جقيقة تفيد بأنه قتل على يد جماعة متطرفة و تكفيرية.الجوائز الثلاث المتبقية منحت لفيلم المخرج إبراهيم اللطيف “بورتو فارينا” و هي جائزة أفضل إنتاج و جائزة أحسن ثاني دور رجالي للممثل محمد السياري، و جائزة أحسن ملابس لبسمة الذوادي ، و قد عرض هو أيضا خلال السبوع ما قبل الماضي بالمغرب في إطار المسابقة الرسمية للمهرجان المغاربي للفيلم بوجدة. تدور أحداث هذا الفيلم الكوميدي و الساخر حول شاب تونسي عائد من فرنسا إلى بلده كي يتزوج من ابنة عمه بعدما اكتشف أن صديقته الفرنسية التي يعيش معها عديمة القدرة على الإنجاب، و لكنه سيصدم بكون ابنة عمه ترفض أن تتزوج به. مرت السينما التونسية من عدة مراحل مع مخرجين من مختلف الأجيال تمكنوا من خلقها و تطويرها قبل ثورة 11الحرية و الكرامة 14 يناير 2011 من بينهم الطاهر شريعة و الرائد عمار الخليفي و الفاضل الجزيري ورضا الباهي وعبد اللطيف بن عمار والناصر الكتاري و النوري بوزيد و مفيدة التلاتلي ومحمد الزرن وكلثوم برناز وفريد بوغدير، و من بينهم أيضا مختار العجيمي الذي حرم بكيفية مقصودة قبل الثورة من الدعم لإنجاز أعمال روائية بعد فيلمه الروائي الطويل “باب العرش” الذي أنجزه سنة 2004 و تناول فيه بجرأة ملموسة قضية حرية الإعلام ، فأصبح مستهدفا من طرف وزارة الثقافة من خلال حرمانه من الدعم الذي لم يمنح له إلا بعد قيام الثورة، و قد نال بهذا الفيلم جائزة لجنة التحكيم و جائزة أحسن ممثل في أيام قرطاج السينمائية. تمكن بعد ذلك من الحصول على الدعم و أنجز فيلما يحمل عنوان “قصر الدهشة” تناول فيه من وجهة نظره موضوع الثورة التونسية خلال الليلة الفاصلة بين 13 و 14 يناير 2011 ، و قد شارك به في المغرب ضمن المسابقة الرسمية للدورة 19 لمهرجان السينما الإفريقية بخريبكة. و سبق له أن أخرج عدة أفلام وثائقية من بينها فيلم “و تحيا السينما” الذي شارك به في المغرب في مسابقة الأفلام الوثائقية للدورة السابعة عشر لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط، و شارك به أيضا في الدورة 23 لأيام قرطاج السينمائية . بعد ركود نسبي في عهد الحكم السابق انطلقت السينما التونسية من جديد بعد الثورة على يد مخرجين آخرين أصبحوا يتمتعون بحرية أكبر بعد التخلص من الدكتاتورية، فأصبحت أعمالهم تتميز بالجرأة في اختيار المواضيع و القضايا الحساسة و بطريقة معالجتها من بينهم ، على سبيل المثال لا الحصر، المخرجة رجاء العماري و المخرجين المنصف بربوش و نجيب بلقاضي و فارس نعناع و محمد بن عطية و فيلمه المشهور نحبك هادي” الذي فاز به بجائزة العمل الأول و و جائزة النقاد لأفضل ممثل في الدورة 66 لمهرجان برلين الدولي بألمانيا ، و فاز أيضا بجائزة أفضل ممثل في أيام قرطاج السينمائية. المخرجة كوثر بن هنية ساهمت هي أيضا في هذه الانطلاقة الجديدة و تمكنت من الفوز سنة 2016 بالتانيت الذهبي لأيام قرطاج السينمائية بفيلم “زينب تكره الثلج” و تمكنت بفيلمها الموالي “على كف عفريت” من المشاركة سنة 2017 في فقرة “نظرة ما” بمهرجان “كان” الفرنسي، و تمكنت أيضا في نفس السنة من الفوز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان بروكسيل للفيلم المتوسطي، وجائزة أفضل سيناريو في السويد بمهرجان مالمو للسينما العربية. المخرج علاء الدين سليم تمكن هو أيضا من الفوز بعدة جوائز بفيلمه “آخر واحد فينا” من أبرزها جائزة العمل الأول في الدورة 73 لمهرجان البندقية، و جائزة التانيت الذهبي للعمل الأول في مسابقة جائزة الطاهر شريعة في أيام قرطاج السينمائية. لوحظ من خلال نتائج هذه الدورة الثانية لمهرجان السينما التونسية أن أغلبية الفائزين بأهم الجوائز الفنية أو التقنية هم من الشباب الواعدين ، و هم بمثابة الدم الجديد الذي زرع في شرايين السينما التونسية لمواصلة تطورها و تألقها، و قد تميزت أغلب الأفلام الروائية الطويلة لهذه الدورة بالتنوع على مستوى المواضيع و طريقة معالجتها فنيا و دراميا، و كانت في أغلبيتها جيدة و متقنة فنيا و تقنيا و هو ما يسمح بالقول و بكل موضوعية إن السينما التونسية قادمة بثبات كي تفرض نفسها من جديد عربيا و دوليا علما بأن الحكومة التونسية قررت مضاعفة الدعم المخصص لها من أربعة ملايير دينار إلى ثمانية ملايير بهدف تطير الإنتاج ، و هو خبر سار تم زفه للسينمائيين التونسيين في حفل اختتام هذه الدورة من طرف وزير الثقافة. تجدر الإشارة في الختام إلى أن لجنة مسابقة الأفلام القصيرة وأفلام التحريك منحت جائزة أفضل عمل لفيلم “إخوان” لمريم جوبار ، و جائزة أفضل فيلم تحريك لفيلم “سنفونية الحياة” للمخرج مصطفى التايب، و جائزتها الخاصة بها لفيلم “بطيخ الشيخ” لكوثر بن هنية، بينما منحت لجنة مسابقة الأفلام الوثائقية جائزة أفضل عمل وثائقي لفيلم “بنت القمرة” للمخرجة هبة الذوادي، و جائزة أفضل معالجة وثائقية لفيلم “ع السكة” للمخرجة أريج السخيري و جائزتها الخاصة بها لفيلم “لقشة من الدنيا” للمخرج نصر الدين السهيلي

شاهد أيضاً

عبد الكريم الفن.. الرحيل المبكر

بقلم مصطفى الفن رحيل عبد الكريم الفن، الطبيب الأخصائيي في جراحة الأسنان بمرض لعين ظل …

التدافع السياسي في إسبانيا.. تقدم اليمين المتطرف بين مد وجزر

كتب سعيد إدى حسن* وأنا أتابع باهتمام وترقب شديدين ما تشهده الساحة السياسية الإسبانية، منذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.